القرطبي
163
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ما يعلو على النار إذ اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر . وقيل : إن الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين ، قاله الضحاك . وقيل : اللهب ثم الشرر ثم الدخان ، لأنها ثلاثة أحوال ، هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت . وقيل : عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب . فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين ، وأما الدخان فيقف على رؤوس المنافقين ، وأما اللهب الصافي فيقف على رؤوس الكافرين . وقيل : هو السرادق ، وهو لسان من نار يحيط بهم ، ثم يتشعب منه ثلاث شعب ، فتظللهم حتى يفرغ من حسابهم إلى النار . وقيل : هو الظل من يحموم ، كما قال تعالى : " في سموم وحميم . وظل من يحموم . لا بارد ولا كريم " [ الواقعة : 42 - 44 ] على ما تقدم ( 1 ) . وفي الحديث : ( إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم أكفان فتلحقهم ( 2 ) الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومد ذلك اليوم ، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهنالك يقولون : " فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم " [ الطور : 27 ] ويقال للمكذبين : " انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون " من عذاب الله وعقابه " انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب " . فيكون أولياء الله جل ثناؤه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل ، إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار . ثم وصف النار فقال : " إنها ترمي بشرر كالقصر " الشرر : واحدته شررة . والشرار : واحدته شرارة ، وهو ما تطاير من النار في كل جهة ، وأصله من شررت الثوب إذا بسطته للشمس ليجف . والقصر البناء العالي . وقراءة العامة " كالقصر " بإسكان الصاد : أي الحصون والمدائن في العظم وهو واحد القصور . قاله ابن عباس وابن مسعود . وهو في معنى الجمع على طريق الجنس . وقيل : القصر جمع قصرة ساكنة الصاد ، مثل جمرة ، وجمر وتمرة وتمر . والقصرة : الواحدة من جزل الحطب الغليظ . وفي البخاري عن ابن عباس أيضا : " ترمى بشرر كالقصر " قال كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع ( 3 ) أو أقل ، فترفعه للشتاء ، فنسميه القصر ، وقال سعيد بن جبير والضحاك : هي
--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 213 . ( 2 ) كذا في الأصول ولعل اللفظ تلفحهم . ( 3 ) بنصب ثلاثة ويجوز إضافة بقصر إليها أي بقدر ثلاثة أذرع . ولفظ الحديث في ( النهاية قصر ) : ( كنا نرفع الخشب للشتاء ثلاث أذرع أو أقل وتسميه القصر ) .